السيد محمد حسين فضل الله
63
من وحي القرآن
المتقون يلبون نداء الدعوة مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ، وهم الذين آمنوا باللَّه وعملوا بأوامره ونواهيه ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فتظلّ الأرض فيها في حالة إعشاب دائم ، وخضرة ، متحركة ، وخصب خصيب ، أُكُلُها دائِمٌ لا ينقطع في أي مكان منها وفي أيّ فصل من الفصول ، فيمكن لهم أن يأكلوا من ثمارها كل حين ، وَظِلُّها دائم لكثافة أوراق أشجارها واستمراريتها على مدى الزمن ، أو لحالة أخرى لا يعلمها إلا اللَّه ، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا في ما أعدّه اللَّه للتقوى من نتائج إيجابية شاملة على مستوى الدار الآخرة ، وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ لما يمثله الكفر من تمرّد على اللَّه ، وجحود به دون حجّة ولا برهان . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهؤلاء هم الذين ينفتحون على الحق الذي عرفوه من الكتاب المنزّل على موسى ، ووجدوه متطابقا مع الحقيقة التوراتية ، فعرفوا - من خلال ذلك - صدقك في ما تدعوهم إليه ، واطمأنوا لدعوتك ورسالتك التي تجمّعت الشواهد على تأكيد صدقها . وهؤلاء هم الذين لا يتحزّبون للإطار الذي يتحركون في داخله ، ولا يتعصّبون لحدوده اسما كان أو فئة أو شعارا ، بل ينفتحون على الحقيقة ، ويلاحقونها أينما كانت ، ويتنازلون عن كل شيء من الماضي أو الحاضر لحسابها . وهذا هو الفرق بين من يؤمن بالفكرة ومن يتحزّب لشكليات التحرك في خارجها . ولكن من هم هؤلاء ؟ ربما يذكر البعض أن المراد بهم أصحاب النبي الذين آمنوا به وصدقوه ، أعطوا القرآن وفرحوا بإنزاله ، فيكون المراد بالكتاب القرآن . ولكن هذا خلاف المصطلح الذي يستعمله القرآن في أهل الكتاب ،